|
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العبادة في العشر الأول من شهر ذي الحجة أفضل من العبادة في أي وقت آخر، حتى إن العبادة من صلاة وصيام وذكر وصدقة في هذه الأيام تفضل الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج للجهاد مخاطرًا بنفسه وماله وعدته وعتاده فأهريق دمه، وتناثرت أشلاؤه، وحطمت أدواته، ونهب ماله وسلاحه، فهذا فقط هو الذي يفضل العابد في هذه الأيام.
يقول الإمام ابن رجب الحنبلي: خرج البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله لم يرجع من ذلك بشيء).
وقد دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده.
وقد ورد هذا الحديث بلفظ: (ما من أيام العمل فيها أفضل من أيام العشر) وروي بالشك في لفظه: (أحب أو أفضل)، وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا.
ولهذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال: (ولا الجهاد)، ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد فإنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الجهاد أفضل قال: (من عقر جواده وأهريق دمه وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله).
وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو يقول: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين قال: (إذن يعقر جوادك وتستشهد).
فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر، وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله عز وجل منها. وكذلك سائر الأعمال، وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره.
وقد روي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (هذا زيادة والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة)، وفي إسنادها ضعف.
وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعددة مختلفة فخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بسنة، وكل ليلة منها بقيام ليلة القدر)، وهذا الحديث فيه راو ضعيف.
وروى أبو عمر والنيسابوري في كتاب الحكايات بإسناده عن حميد قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: صوم كل يوم من العشر يعدل سنة.
وقد روي في المضاعفة أكثر من ذلك. فروى هارون بن موسى النحوي قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك قال: كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف، قال الحاكم: هذا من المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي المضاعفة أحاديث أخرى مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكنها موضوعة فلذلك أعرضنا عنها وعما أشبهها من الموضوعات وهي كثيرة.
وقد دل حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها، وعلى رأس هذه العبادات الصيام، ففي المسند والسنن عن حفصة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر)، وفي إسناده اختلاف.
وروي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة). |